الشيخ محمد زاهد الكوثري

215

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

فكل الصحابة أجمعوا ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة أن اللّه تعالى يرى في الجنة ، يراه المؤمنون بلا خلاف في ذلك . واختلف الصحابة في الرسول عليه السلام هل رآه ليلة المعراج بالقلب أو بعيني الرأس على قولين : فكانت الصديقة عائشة رضي اللّه عنها في جماعة من الصحابة يقولون : رآه بقلبه دون عيني رأسه ، وكان ابن عباس رضي اللّه عنهما في جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم يقولون : إنه صلى اللّه عليه وسلم رآه ليلة المعراج بعيني رأسه . ونحن نقول بقول ابن عباس رضي اللّه عنهما ، فإذا تقرر هذا : فإن المعتزلة ، والنجارية ، والجهمية ، والروافض ، والخوارج : الكل منهم ينكرون الرؤية ولا يجوّزونها بوجه ، حتى قالوا : ولا يرى ولا يرى هو نفسه . وقد قدّمنا الأدلة على صحة الرؤية وجوازها فيما تقدم ، ولا بد أن نذكر هاهنا طرفا من الأدلة أيضا يؤكد ما تقدم ويقوّيه إن شاء اللّه . ودليل ذلك من الكتاب والسنة والإجماع ممن يعد إجماعه إجماعا ، ودليل العقل . فمن أدلة الكتاب قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] وهذا السؤال إنما كان من موسى بعد النبوة ، والبعثة ، والرسالة ، لأن اللّه تعالى قال : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] ولا يخلو سؤال موسى عليه السلام هذا السؤال بعد النبوة والكمال من أحد أربعة أوجه : إما أن يكون سأل الرؤية بعد علمه بجوازها على ربه ، أو مع علمه باستحالتها على ربه ، أو سألها وهو شاك في ذلك ، أو سألها وهو ذاهل العقل لا يتفهم شيئا . فلا يجوز أن يكون سأل ذلك مع علمه بأنه يستحيل على ربه ، لأن من المحال أن يسأل النبي الكريم ربه ما يستحيل في حقه ، ولا يجوز عليه كما يستحيل في حقه سبحانه وتعالى ، ولا يجوز أن يكون سأل ذلك وهو شاك جاهل حكم هذه المسألة أو ذاهل لا يدري ، لأن هذه المسألة من مسائل أصول الدين ، وكيف يجوز على النبي الكريم عليه السلام الشك فيها أو الذهول ، أو غفلة القلب عنها . وإذا بطل جميع ذلك لم يبق إلا أنه عليه السلام سأل وهو معتقد جواز الرؤية عليه سبحانه وتعالى . فإذا اعتقد النبي الكريم جواز الرؤية لم يخل من أن يكون مصيبا أو مخطئا ، ولا يجوز أن يخطئ النبي الكريم في اعتقاده ، فلم يبق إلا أنه أصاب ، وهذا التقرير لا مخرج للمخالف عنه بوجه ولا سبب . فافهمه . فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون موسى لم يسأل الرؤية ، وإنما سألها قومه وسألوه أن يسألها لهم ، أما أن يكون هو سألها لنفسه فلا .